أحمد بن محمد القسطلاني
419
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
( ليوشكن ) بكسر المعجمة وفتح الكاف : ليقربن سريعًا ( أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلاً ) عند مسلم من طريق الليث عن ابن شهاب : " وحكمًا مقسطًا " أي حاكمًا عادلاً يحكم بهذه الشريعة المحمدية ولا يحكم بشريعته التي أنزلت عليه في أوان رسالته . ( فيكسر الصليب ) الفاء تفصيلية لقولها " حكمًا عدلاً " . ( ويقتل الخنزير ) أي يبطل دين النصرانية بكسر الصليب حقيقة ، أو يبطل ما تزعمه النصارى من تعظيمه . واستُدل به على تحريم اقتناء الخنزير وأكله ونجاسته ؛ لأن الشيء المنتفع به لا يجوز إتلافه . لكن في الطبراني الأوسط من طريق أبي صالح عن أبي هريرة : " فيكسر الصليب ويقتل الخنزير والقرد " وإسناده لا بأس به . وحينئذ فلا يصحّ الاستدلال به على نجاسة عين الخنزير لأن القرد ليس بنجس اتفاقًا . ( ويضع الجزية ) من أهل الكتاب لأنه لا يقبل إلا الإسلام ولعدم احتياج الناس إلى المال لما تلقيه الأرض من بركاتها كما قال : ( ويفيض المال ) بفتح الياء : يكثر ( حتى لا يقبله أحد ) وليس عيسى بناسخ لحكم الجزية بل نبينا محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هو المبين للنسخ بهذا ، فعدم قبولها هو من هذه الشريعة لكنه مقيد بنزول عيسى . ولأبي ذرّ عن الحموي والمستملي : " ويضع الحرب " بالحاء المهملة والراء الساكنة والموحدة بدل الجزية . ( حتى تكون السجدة الواحدة خير ) بالرفع . ولأبي ذرّ والأصيلي : " خيرًا " بالنصب خبر " كان " . ( من الدنيا وما فيها ) و " حتى " الأولى متعلقة بقوله : " ويفيض المال " والثانية غاية لمفهوم قوله : " فيكسر الصليب . . . الخ " والمعنى أنهم لا يتقربون إلى الله بالتصدّق بالمال بل بالعبادة لكثرة المال إذ ذاك وعدم الانتفاع به ، وإلا فمعلوم أن السجدة الواحدة دائمًا خير من الدنيا وما فيها . ( ثم يقول أبو هريرة ) بالإسناد السابق ، مستدلاًّ على نزول عيسى في آخر الزمان تصديقًا للحديث : ( واقرؤوا إن شئتم : { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به } ) بعيسى ( قبل موته ) أي وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى وهم أهل الكتاب الذين يكونون في زمانه فتكون الملة واحدة وهي ملّة الإسلام . وبهذا جزم ابن عباس فيما رواه ابن جرير من طريق سعيد بن جبير عنه بإسناد صحيح . وقيل : المعنى : ليس من أهل الكتاب أحد يحضره الموت إلا آمن عند المعاينة قبل خروج روحه بعيسى وأنه عبد الله وابن أَمَتِهِ ، ولكن لا ينفعه الإيمان في تلك الحالة . وظاهر القرآن عمومه في كل كتابيّ يهوديّ أو نصرانيّ في زمن نزول عيسى وقبله . فإن قلت : ما الحكمة في نزول عيسى دون غيره من الأنبياء ؟ أجيب : للردّ على اليهود حيث زعموا أنهم قتلوه فبيّن الله تعالى كذبهم وأنه الذي يقتلهم . ( { ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا } ) أنه قد بلغهم رسالة ربه ومقرًّا بالعبودية على نفسه ، وكل نبيّ شاهد على أمته . 3449 - حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ » . تَابَعَهُ عُقَيْلٌ وَالأَوْزَاعِيُّ . وبه قال : ( حدّثنا ابن بكير ) بضم الموحدة مصغرًا ؛ هو يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي البصري ، قال : ( حدّثنا الليث ) بن سعد إمام المصريين الفهمي ( عن يونس ) بن يزيد الأيلي ( عن ابن شهاب ) الزهري ( عن نافع ) أبي محمد بن عباس بالموحدة ( مولى أبي قتادة الأنصاري ) للملازمة له ، وإلاّ فهو مولى امرأة من غفار . ( إن أبا هريرة ) - رضي الله عنه - ( قال : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم ) في الصلاة ( منكم ) كما في مسلم : " أنه يقال له : صَلِّ لنا ، فيقول : لا ، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة لهذه الأمة " . قال ابن الجوزي : لو تقدم عيسى إمامًا لوقع في النفس إشكال ولقيل : أتراه نائبًا أو مبتدئًا شرعًا ؟ فصلّى مأمومًا لئلا يتدنس بغبار الشبهة وجه قوله : " لا نبيّ بعدي " . وقال الطيبي : معنى الحديث أن يؤمكم عيسى حال كونكم في دينكم . وصحح المولى سعد الدين التفتازاني أنه يؤمهم ويقتدي به المهدي لأنه أفضل ، فإمامته أولى . وهذا يعكر عليه حديث مسلم السابق . وقال الحافظ أبو ذرّ الهروي : حدّثنا الجوزقي عن بعض المتقدمين أن معناه أنه يحكم بالقرآن لا بالإنجيل . وهذا الحديث أخرجه مسلم في الإيمان .